البحث

طرفا النزاع في السودان… استهدافٌ ممنهج للمدنيين على أساس الانتماء المفترض

مع استمرار الحرب في السودان، يتصاعد خطاب الكراهية ويتحوّل إلى أداة لتفكيك ما تبقّى من الروابط المشتركة بين السودانيين. هذا الخطاب يعزّز ثقافة العنف والتمييز، ويغذّي الحرب، ويهدّد وحدة البلاد. وبحسب تقرير لمنظمة “أسليد” المتخصصة في رصد بيانات الصراعات، ارتفعت معدلات العنف ضد المدنيين بنسبة 89% خلال الأشهر الأخيرة التي اتسعت فيها رقعة الحرب المستمرة منذ منتصف أبريل/نيسان 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع.

 

وفي تقريرها الأخير الصادر في أيلول/سبتمبر 2025، أكدت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان أن القوات المتحاربة تستهدف المدنيين عمداً في مختلف أنحاء البلاد، وترتكب فظائع تُصنّف كجرائم حرب واسعة ومنهجية. وأضاف التقرير أن بعض هذه الأفعال يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية، بما يشمل الاضطهاد والإبادة.

 

وقد خلص التقرير المقدّم إلى مجلس حقوق الإنسان بعنوان “حرب الفظائع” إلى مسؤولية كلٍّ من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع عن هجمات مباشرة وواسعة ضد المدنيين، إضافة إلى تدميرٍ ممنهج للبنى التحتيّة الحيويّة اللازمة لبقائهم، مثل المراكز الطبية والأسواق وأنظمة الغذاء والمياه ومخيمات النزوح.

 

ويشير التقرير إلى أن المدنيين يُستهدفون بناءً على انتمائهم المفترض للطرف الآخر. ففي مدينة الفاشر والمناطق المحيطة بها، نفّذت قوات الدعم السريع وحلفاؤها عمليات قتل واسعة استهدفت مجتمعات غير عربية، بينها الزغاوة والفور والمساليت والتنجر، وتسببت بتهجير قسري للسكان. وفي مخيم زمزم، وقعت مجزرة خلال نيسان/أبريل قُتل فيها ما بين 300 إلى 1500 مدني، معظمهم نساء وأطفال.

 

وفي المقابل، استهدفت القوات المسلحة السودانية وحلفاؤها مجتمع الكنابي في ولاية الجزيرة بعد استعادتها مدينة ود مدني في كانون الثاني/يناير 2025، ما أدى إلى مقتل العشرات وفرار معظم السكان.

 

مجتمع "الكنابي"… ضحية تضليل وخطاب كراهية

 

تعرض مجتمع الكنابي، وهو تجمعات سكنية مهمّشة أنشئت خلال القرن العشرين للعمال الزراعيين القادمين من دارفور وكردفان وغرب أفريقيا، لحملة ممنهجة من خطاب الكراهية والمعلومات المضللة.

 

فخلال نوفمبر/تشرين الثاني 2024، نشرت حسابات موالية للجيش السوداني محتوى تحريضيًا صوّر سكان الكنابي كـ”متعاونين” مع قوات الدعم السريع، مستخدمةً صورًا وفيديوهات مزيفة أو خارج سياقها، وفق ما وثقته منظمة “شاهد السودان”.

 

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، شنّت قوات الدعم السريع هجمات على قرى عدة في الجزيرة، ونهبت ممتلكات واعتقلت وقتلت مدنيين بين 20 و25 من الشهر نفسه، بحسب وسائل الإعلام ومنظمات حقوقية.

 

ومع دخول الجيش مدينة مدني في يناير/كانون الثاني 2025، فرّ آلاف من سكان الكنابي إثر عمليات انتقامية وتصفيات نفذتها مجموعات مقاتلة متحالفة مع الجيش. وأفادت منظمات حقوقية بوقوع أعمال تطهير عرقي وقتل على أساس الهوية، شملت رمي أشخاص أحياء في النهر وتنفيذ إعدامات ميدانية. لكن الجيش السوداني وصف هذه الانتهاكات بأنها “فردية”.

 

ووفق تقديرات منظمات حقوقية، قُتل ما لا يقل عن 120 شخصًا من سكان الكنابي حرقًا أو رميًا بالرصاص، كما أُحرقت منازلهم المبنية من مواد بسيطة. ووصف المرصد السوداني لحقوق الإنسان ما جرى بأنه “عملية تطهير عرقي وانتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية”.

 

وبعد دخول مدني، ظهر مقاتل تابع لإحدى الكتائب الموالية للجيش في مقطع فيديو يهدّد بتصفية 6800 شخص من “المتعاونين مع الدعم السريع”، ما زاد من حالة الذعر لدى السكان.

 

خطاب الكراهية وقود للحرب

 

 تُظهر التقارير المحلية والدولية أن مجتمع الكنابي كان من أبرز ضحايا خطاب الكراهية والتحريض والمعلومات المضللة التي نشرها طرفا النزاع. وتأتي هذه الهجمة ضمن سياق تمييز وتهميش تاريخي طويل؛ إذ تشير تقارير إعلامية إلى أن سكان الكنابي واجهوا منذ عقود صعوبات في الحصول على السكن والتعليم وفرص العمل، إضافة إلى عمليات إزالة قسرية لمستوطناتهم في أجزاء من الجزيرة والخرطوم وسنار وكسلا والنيل الأزرق.