البحث

صهاريج المياه تزدهر في بيروت: سوق سوداء بإدارة أصحاب النفوذ

تحت تساقط المطر الشديد، يصل أحد الصهاريج ليلاً إلى مبنى في منطقة فرن الشباك، لينقل المياه المقطوعة إلى أحد الأبنية في مشهد أشبه ما يكون للكوميديا السوداء. ففي بلاد تميزة بوفرة المياه فيها باتت تلك السلعة أشبه العملة النادرة التي تُسيطر عليها شبكة من المصالح وأصحاب النفوذ.

وكما كل القطاعات التي تهمها الفوضى، ينقسم أصحاب الصهاريج إلى فئتين، الاولى تمكنت من الحصول على تراخيص بيع المياه، والاستثمار في الآبار الارتوازية، الذين يتمّ ضبط كمية المياه المسموح لهم بسحبها عبر العدّادات. أمّا الفئة الثانية فهي تضم فيضمّ العاملين في القطاع بصورة غير شرعية، وعادة يسرقون المياه من جوف الأرض بلا حسيب ولا رقيب وبكميات عالية. ومنهم من يملؤون صهاريجهم من الينابيع، في تعدٍّ على الحق العام وانتهاك مبدأ التوزيع العادل للمياه. وفي الحالتين، يبقى مصدر المياه مجهولاً، وكذلك الأمر بالنسبة إلى جودة المياه وصلاحيّتها للشرب والاستخدام، بسبب غياب الرقابة بالمطلق على هذا القطاع.

ومع غياب المياه من مصدرها الرسمي، باتت صهاريج المياه الحل الوحيد أمام المواطنين للوصول إلى أبسط حقوقهم، وتحولت إلى اقتصاد موازي يخدم شبكة من أصحاب النفوذ في المناطق بدل أن تكون خدمة طبيعية تُقدمها الدولة لمواطنيها. يروي أحد محمد الحسن، أحد سكان منطقة بربور في بيروت، في حديث لـ"نفس"، أن "التزود بالمياه من الصهرايج بات المصدر الأساس في حين أن شبكة الدولة هي الاستثناء". يوضح أن "جزء من المدخول الشهري ندفعه بانتظار لصاحب الصهريج، فمهما تكون الظروف، لا يمكن لأحد أن يحيا بدون المياه".

تجربة الحسن، لا تختلف عن تجربة نانسي مرعب التي تؤكد في اتصال مع "نفس" أن "في بعض الأحيان نضطر إلى الاتصال بأكثر من صاحب صهريج لتزويدنا في المياه، فعندما تنقطع شبكة مياه الدولة لأسابيع يصبح الطلب على الصهاريج مرتفع مما يجعل الحصول على المياه أمراً في غاية الصعوبة". وتلفت مرعب إلى أن "أسعار المياه تصبح في هذه الحالة مثل البورصة، كلما طال انقطاع مياه الدولة كلما ازداد سعر نقلة المياه".

 مصادر مياه مجهولة

وفي ظل غياب الدولة عن هذا القطاع، تزداد المخاوف من جودة مياه الاستحمام والطبخ والرّي والتنظيف التي تقدمها هذه الصهاريج ومطابقتها للمعايير الصحية، فضلاً عن آليّة استخراج المياه التي تعتمدها والنقل والتخزين، عدا عن مطابقة الصهاريج نفسها لشروط السلامة العامة.

في حديث مع "نفس"، توضح النائبة وأستاذة الكيمياء التحليلية ومديرة مركز حفظ البيئة في "الجامعة الأمريكية في بيروت" نجاة صليبا إلى أن "تردّي جودة المياه قد تتسبب بعدّة أمراض مثل الأمراض المعوية والجلدية، وكذلك الكوليرا". وتُحذر من خطورة مصادر المياه التي يعتمدها أصحاب الصهاريج إذ أن بعض الآبار والينابيع التي تُستخرج منها المياه تقع بالقرب من مجاري الصرف الصحي، مما يزيد من مخاطر اختلاط المياه بها، خصوصاً أن البلاد تفتقر إلى محطات التكرير".

وتلفت صليبا إلى أن "بعض المواطنين يشتكون من تخيير أصحاب الصهاريج لهم بين نقلات مياه حلوة بتكلفة نحو 100 دولار وأخرى مالحة بتكلفة أقل تتراوح بين 70 و70 دولار، في حين أن استخدام المياه بنسبة ملوحة عالية من أجل الاستحمام مثلاُ قد يتسبّب بضرر مباشر على الجسم"

 

مخالفة صريحة للقانون

تنصّ المادّة الثامنة من القانون رقم 192/2020 المعدّل لقانون المياه 77/2018 على أن المياه ملك عامّ وغير قابلة للاستحواذ أو للملك أو للتصرّف بها بأي شكل من الأشكال”. ووفقاً للقانون إن وزارة الطاقة والمياه تمتلك بمنح إيصالات العلم والخبرلحفر واستثمار الآبار الارتوازية.

وفي حزيران/ يونيو 2025، وجّه وزير الطاقة والمياه جو صدّي كتاباً إلى المديرية العامّة للشؤون العقارية في وزارة المال، مرفقاً بلائحة تضمّ 2503 بئراً مخالفة على الأراضي اللبنانية، طالباً وضع إشارات على الصحف العقارية للعقارات المعنيّة. وفي حين، تغيب أي معلومات حول أعداد الآبار التي تعمل بصورة غير شرعية، فإن بيانات البنك الدولي تُظهر وجود نحو 60 ألف بئر غير قانونية في منطقة بيروت الكبرى وجبل لبنان، وهذا ما يجعل من خطوة صدّي محدودة وغير فعالة في وقف هذه التعديات.