البحث

"الحدود الهشة".. شهود يروون حكايات التهريب

جبال ووديان وأراضي متداخلة جعلت من عملية ضبط الحدود بين سوريا ولبنان أمراً يحتاج إلى معجزة. فرغم سقوط نظام الأسد ومحاولات السلطة السورية الجديدة ضبط الحدود إلا أن التهريب ما زال سالكاً، إذ أنه بات، على مدى خمسين عاماً، شرياناً اقتصادياً اتخذه أمراء "التهريب" في تلك المناطق النائية عملاً لهم مهما تبدلت هويتهم أو انتمائاتهم.

بعد سقوط النظام السوري، تمكن آلاف السوريين من زيارة بلدهم بعد سنوات من اللجوء، منهم من قرر الاستقرار على أنقاض منزله والبعض الآخر فضّل العودة ريثما تتبدل الأحوال. هذه الفئة واجهة مشكلة رئيسية تمثلت بتشديد الأمن العام اللبناني على دخول السوريون عبر المعابر الشرعية، وهذا ما ساهم بزيادة الطلب على المرور عبر المعابر غير الشرعية.

من الناحية التاريخية، يُعتبر الشريط الحدودي اللبناني – السوري إحدى أكثر الجبهات الجغرافية هشاشةً. فهذه الحدود، الممتدة عبر تضاريس جبلية وعرة والمشبوكة بعلاقات عشائرية واجتماعية عابرة للطرفين، طالما عصيت على الضبط الكامل، غير أن الوضع السياسي الراهن عمّقت حالة "الفراغ الأمني" على جانبيها. ورغم الحزم المعلن من قِبل السلطات السورية الجديدة بشأن إغلاق المعابر غير النظامية، فإن الواقع الميداني يُظهر تضارباً بين القرار الرسمي والسيطرة الفعالة على الشريط الحدودي، في وقتٍ يواجه فيه لبنان أزمة اقتصادية تُكبّل قدرات مؤسساته العسكرية والأمنية على أداء دور فعال في مجال ضبط الحدود.

 

التهريب لا يتوقف

"ما تعتلوا الهم"، بتلك العبارة أجاب أبو أحمد، أحد المهربين في وادي خالد عند سؤاله عند إمكانية تهريب أحد أقاربنا السوريين إلى لبنان. يختصر أبو أحمد إجاباته قدر الإمكان ويؤكد مرراً وتكراراً أن "الأمور سالكة وعمليات التهريب شبه يومية"، فما علينا سوى اختيار التوقيت الذي يُناسبنا. وبحسب الشخص الذي أوصلنا بأبو أحمد، يعمل الرجل بمجال التهريب منذ زمن بعيد، ونشاطه يمتد من البشر إلى المواد الغذائية والمحروقات وغيرها بحسب مقتضيات المرحلة.

وبعد أحداث الساحل السوري وما شهده من عنف وانتهاكات تجاه الطائفة العلوية ازداد أعداد أبناء الطائفة الحالمين بالوصول إلى لبنان. يروي قصي، ابن بلدة صافيتا (إحدى مدن محافظة طرطوس)، قصة هروبه، فيقول "عندما سقط نظام الأسد عشنا بحالة من الترقب والحذر، فلم يكن لدينا أدنى فكرة عن مسار الأمور، إلا أن جاءت أحداث الساحل لأجد نفسي مضطراً على الفرار من البلاد ولم يكن أمامي سوى الوصول إلى لبنان".

يصف قصي رحلته بأنها "رحلة من الخوف والبحث عن الأمان، فالمهرّب طلب مني عدم القول بأنني علوي أمام أحد، سواء الأمن العام السوري أو الأشخاص الذين كانوا معنا برحلة الهروب".

 

تكلفة العبور

قصة قصي ليست حالة استثنائية، بل مُشابهة إلى حد بعيد لقصة عماد، الأب لثلاثة أولاد، وكان يعمل في تربية الماشية والزراعة. يقول عماد أن "سعر العبور غير الشرعي يُحدد وفقاً للطائفة، ففي حين تتراوح للسُنة بين 50 و70 دولار، تتجاوز للعلوي مبلغ الـ 150 دولار وصولاً إلى 200 دولار، أما بالنسبة للأكراد فيتراوح السعر بين 100 و130 دولار". ويلفت إلى أن "هذه الأسعار غير ثابتة، بل تخضع للتغيير بحسب درجة التشديد الأمني".

من جانبه، لم يكن الرجل الخمسيني يوسف يعتقد أن الحال ستصل به للعمل في مجال التهريب فـ"الفقر بيخلينا نشتغل شو ما كان"، بحسب قوله. يوضح أن عمله بدأ من خلال تهريب المواد الغذائية والمحروقات وبعض المواد الأخرى، فـ "الربح كان يأتي من فرق السعر بين الدولتين".

ولكن سهولة عملية التهريب وانخفاض نسبة المخاطر دفع يوسف إلى توسيع نطاق عمله بحيث بات يعمل في مجال تهريب البشر بالاتجاهين، فـ "الكثير من السوريين يفضلون العبور إلى بلدهم بطرق غير شرعية بسبب عدم امتلاكهم لأوراق ثبوتية في لبنان". ويلفت يوسف إلى أن "الوسيلة الأكثر اعتماداً في عمليات التهريب في الوقت الحالي هي الدراجات النارية".

 

تهريب السلع يحكمه الجدوى الاقتصادية

هذا على صعيد تهريب البشر، أما على مستوى تهريب السلع فإن قواعده وأنواع البضائع تختلف باختلاف الظروف. فاليوم، لم تعد المحروقات تتصدر قائمة السلع المهرّبة كما كانت خلال السنوات الماضية. فبعد فترة ازدهرت فيها عمليات تهريب البنزين والمازوت والغاز بفعل أزمة الوقود الخانقة في سوريا، شهد هذا النشاط تراجعاً ملحوظاً مع تبدّل الظروف. ويُعزى ذلك إلى تحسن نسبي في آليات استيراد المحروقات وتوسّع قنوات تداولها داخل سوريا، ما خفّف من حدة النقص الذي كان يغذي السوق السوداء، وأدى إلى تراجع الفوارق السعرية التي كانت تمنح شبكات التهريب هوامش ربح مرتفعة. وبانخفاض الجدوى الاقتصادية، فقدت تجارة المحروقات جزءاً كبيراً من زخمها.

في المقابل، برز الدواء كواحد من أبرز السلع التي لا تزال تتحرك عبر المعابر غير الشرعية. فوفق معطيات ميدانية، يُهرَّب الدواء الأجنبي من لبنان إلى الداخل السوري للاستفادة من ارتفاع الطلب عليه، ولا سيما في ظل محدودية توافر بعض الأصناف المستوردة، بينها الأدوية التركية. وفي الاتجاه المعاكس، تدخل إلى لبنان أدوية سورية مُصنّعة محلياً، مستفيدة من انخفاض كلفة إنتاجها وقدرتها على المنافسة بأسعار أقل من نظيراتها في السوق اللبنانية.

وتنسحب هذه الحالة أيضاً على المواد الغذائية، حيث تتحرك السلع وفق احتياجات السوقين لا وفق اتجاه ثابت. فبينما تُهرَّب من لبنان إلى سوريا المنتجات الأجنبية والسلع الاستهلاكية التي يصعب توفيرها هناك، مثل الشوكولاتة والمقرمشات وبعض المنتجات المستوردة، تتدفق في المقابل من سوريا إلى لبنان مواد غذائية أساسية أقل كلفة، مستفيدة من الفوارق السعرية بين البلدين.

ويعكس هذا التحول أن شبكات التهريب لا ترتبط بسلعة بعينها، بل تتكيّف باستمرار مع متغيرات السوق. فكلما تراجعت الجدوى الاقتصادية لسلعة، انتقلت هذه الشبكات إلى أخرى تحقق أرباحاً أكبر، لتبقى حركة التهريب مرآة مباشرة لاختلالات العرض والطلب والفوارق السعرية بين لبنان وسوريا.

 

تفاوت في المقاربة الأمنية للحدود

للحدود اللبنانية السورية التي يبلغ طولها أكثر من 375 كلم بوابات تهريب غير شرعية كثيرة، وبعد التطورات السياسية سطع نجم النهر الكبير الجنوبي في عكار، وقد لعبت طبيعة الأرض والتضاريس والتداخل الجغرافي والسكاني دوراً في تسهيل هذه العمليات.

فعلى امتداد مئات الكيلومترات في منطقة عكار، ولا سيما في وادي خالد، تفرض الطبيعة الجغرافية الوعرة، بما تتضمنه من تلال متداخلة وأودية وأنهار موسمية، تحدياً دائماً أمام محاولات ضبط الحدود بين البلدين. فعلى الرغم من انتشار حواجز الجيش اللبناني وتنفيذ عمليات متكررة لإقفال المعابر غير الشرعية، تكشف المعطيات الميدانية أن شبكات التهريب لا تلبث أن تعيد رسم مساراتها، عبر استحداث طرق ترابية وفرعية جديدة كلما أُغلق أحد المنافذ. ويجعل هذا النمط من المواجهة الحدود منطقة متحركة يصعب إحكام السيطرة عليها، حيث تبقى ممرات العبور غير الشرعية مفتوحة أمام تنقل الأشخاص في الاتجاهين.

ولا تقتصر أهمية هذه المنطقة على كونها ممراً للتهريب، بل تعكس طبيعة التحولات التي شهدها الشريط الحدودي بعد سقوط نظام الأسد. ففي ظل الهشاشة الأمنية والسياسية التي رافقت المرحلة الانتقالية داخل سوريا، وغياب البدائل الاقتصادية والتنموية لسكان المناطق الحدودية، تداخلت شبكات تهريب الأفراد مع تهريب المحروقات والسلع، لتشكل اقتصاداً موازياً يستفيد من الفراغ القائم ويعيد إنتاج نفسه باستمرار.

في المقابل، تبدو الصورة مختلفة في البقاع الشمالي. إذ يؤكد مصدر عشائري لـ "نفس" أن الإجراءات الأمنية شهدت تشديداً ملحوظاً خلال الأشهر الأخيرة، ما انعكس تراجعاً في حركة التهريب التقليدية وإقفال عدد من المعابر غير الشرعية التي كانت تربط المنطقة بمدينة القصير وريف حمص. ويبرز هذا الواقع بصورة أوضح في الهرمل، حيث تبدو القبضة الأمنية أكثر إحكاماً، الأمر الذي حدّ من قدرة شبكات التهريب على الحركة مقارنة بما هو قائم في عكار.

ويكشف هذا التباين أن الحدود اللبنانية - السورية لا تُدار وفق مقاربة أمنية موحدة، بل تخضع لتكتيكات متفاوتة تفرضها خصوصية كل منطقة، سواء من حيث الجغرافيا أو البنية الاجتماعية أو حجم الانتشار الأمني. ونتيجة لذلك، يتفاوت هامش الحركة المتاح لشبكات التهريب بين منطقة حدودية وأخرى، فتتحول بعض المناطق إلى نقاط ممسوكة أمنياً، فيما تبقى مناطق أخرى أكثر قابلية لاختراق الحدود وإعادة فتح مسارات العبور كلما أُغلقت.