البحث

مشروع قانون «هجين» للبذور يؤثر على المزراعين

في خطوة لافتة، طرح وزير الزراعة نزار هاني مشروع قانون لـ «تنظيم تجارة البذور والشتول وموادّ الإكثار»، إستناداً إلى صيغة قديمة وإشكاليّة تقدّم بها النائب أيوب حميد منذ 4 سنوات قبل أن ترقد في اللجان النيابية.  هاني و "يوقظه" من الأدراج مضيفاً بعض التعديلات، ومن ثمّ يحيله مجدّداً إلى اللجان النيابية المختصة.

منذ إعادة طرح الاقتراح على الطاولة، سجّلت موجة قلق وغضب من قبل المزراعين، لاسيما الصغار منهم، في ظل الحديث عن منح حقوق ملكية فكرية على البذور المنتجة، وفرض شروط ومعايير وتراخيص، مما يجعلهم الحلقة الأضعف في هذا الحالة.

فمشروع القانون المؤلّف من 25 مادة ينص على وجوب الاستحصال على ترخيص لأصل البذرة قبل زراعتها لأغراض تجارية. هذا الطلب يُغلّف بحجة واقعية ومنطقية، وربما ضرورية، تُفيد بضرورة ضمان جودة الإنتاج وتتبّع سلاسل الإمداد منعاً لانتقال البذور المريضة وانتشارها في لبنان. إلا أنه في المقابل، فإن القواعد والشروط الصارمة للتسجيل والترخيص  وتكاليف ورسوم الفحوصات المخبرية، تحديداً للغرض التجاري، تُرهِق المزارع وتُضييق عمل منتجي البذور البلديّة وأصحاب المشاتل وتعرّض سبل عيشهم للخطر لصالح الشركات الكبرى.

 

إجراءات إدارية ومالية مرهقة

فعلى سبيل المثال، إذا أراد مزارع زراعة خيار مثلاً، ينبغي أن يقوم بعدّة خطوات، أوّلها فحص للبذروة في المختبر، ومن ثم الحصول على «ملكية فكرية» من وزارة الاقتصاد، ليتم في النهاية الترخيص له بزراعتها وبيعها من قبل وزارة الزراعة. وهذا ما يضع متطلبات إدارية ومالية قد لا يتمكن الكثير من المزارعين من القيام بها.

هذه  الإجراءات المعقّدة قد تدفع المزارع إلى مسار أكثر سهولة عبر شراء البذور الهجينة من الشركات المُنتِجة ، إلا أن مُشكلة هذه الأخيرة، بالإضافة إلى سعرها، هو أنها لا تعيش أكثر من موسم زراعي واحد، ما يعني أن المزارع سيقوم بهذه الخطوة دورياً مع كل موسم مما يُشكل عملياً تهديداً للسيادة على مصادر إنتاج الغذاء.

حجم اعتراضات المزراعين دفع هاني إلى عقد جلسة نقاش موسعة، في 6 تشرين ثاني الحال، لـ"تحسين القانون" جمع فيها جمعيات بيئية وأكاديميين وباحثين. استمع إلى ملاحظاتهم ووزّع عليهم استمارات لتسجيل اقترحاتهم، ومن ثم إرسالها إليه قبل نهاية العام الحالي.

 

مخاوف من الاحتكار

في حديثه مع "نفس"، يصف المزارع في العكار، عمر الأحمد، مشروع القانون بـ"الكارثة الحقيقية، فالبذور البلدية تعرف مناخنا وبيئتنا وترابنا، في حين أنهم يريدون أن نتركها ونستعين بالبذور المستوردة". ويُتابع الاحمد مُستغرباً "كيف يمكن أن يطلبوا منا أن نقوم بالانتقال إلى بيروت لفحص البذرة وقد لا يوافقون على زراعتها، ويجبروننا أن نشتري المُهجّن".

ومن جانبه، يرى رئيس تجمّع مزارعي الجنوب، محمد الحسيني، في حديث لـ"نفس"، أنّ "هذا القانون يربط الأمن الزراعي بالشركات المسيطرة على إنتاج البذور على مستوى العالم، وعددها قد لا يتخطّى الثلاث شركات". ويلفت إلى أن "مشروع القانون يعطي هذه الشركات حصرية التداول في البذرة عشر سنوات قابلة للتجديد، وإذا أرادت زيادة الربح فما عليها سوى رفع الأسعار، ولن يكون بقدور المزارع إلا الشراء منها".

ومن ناحيتها، أبدت "الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان" رأياً سلبياً تجاه مشروع القانون معتبرةً أنه "بصيغته الحالية، يعكس توجّهاً تقنياً وتنظيمياً ذا طابع تجاري، لكنه يغفل البعد الحقوقي والاجتماعي والبيئي الأوسع المرتبط بحقوق الفلاحين والمجتمعات الريفية، ويخاطر في تعميق الفوارق القائمة في الريف اللبناني".

كما حذّرت الهيئة، في بيان، من أن "اعتماد هذا المشروع من دون إدخال تعديلات عليه، خاصة تلك التي تحمي البذور المحلية، يكرّس هشاشة سكان الريف اللبناني، ويُضعِف مساهمة الزراعة المحلية في تحقيق الأمن الغذائي، ويزيد التبعية للخارج، في وقت يستدعي فيه الوضع الوطني تعزيز الصمود الريفي والحق في الغذاء المستدام".