البحث

سجن رومية: مآسٍ إنسانية تدفع للإنتحار

في خضم الأزمات المتلاحقة التي يرزح تحتها لبنان، تبرز أزمة السجون، ولا سيما سجن رومية المركزي، الذي بات صورةً مصغرةً عن ترهل الدولة ومؤسستها. الحديث عن الاكتظاظ والحالة المزرية التي يُعاني منها السجنا لم يعد أمراً جديداً، بل أن الخطير هو أن تردي الأوضاع الإنسانية والغذائية والطبية والصحية وصل إلى تسجيل حالات وفات بشكل متكرر.

فقد أفاد مصدر خاص لـ "نفس" بأن أحد السجناء (ح. ب.) توفي الأسبوع الماضي نتيجة مضاعفات مرضية، وذلك في النظارة نفسها التي توفي فيها قبله بأيام سجين آخر ( م. ح.) الذي قضى بسبب إصابته بمرض السل. ويلفت المصدر إلى أن "هناك مخاوف حقيقية من ظهور أعراض المرض على 20 حالة أخرى".

معاناة لا توصف

هذا التطور يُعيد تسليط الضوء على الحالة التي يعيشها السجناء الذين ينامون على "فُرش لم ترَ الشمس منذ سنوات"، بحسب تعبير أحد السجناء الذين تحدثت اليهم "نفس". فهؤلاء ينامون مُحاولين حشر أجسادهم قدر المستطاع في مساحة ضيقة بعد أن بات السجن الذي صُمم ليضم 1050 سجين يضم ما يُقارب الـ 4 آلاف نزيل".

أما أسباب الاكتظاظ فيمكن القول أنها الفضيحة الأكبر، إذ أنها تعود إلى تأخير مزمن في المحاكمات، إذ يمضي الكثير من السجناء سنوات خلف القضبان من دون صدور أحكام بحقهم، رغم أن بعضهم قد يكون بريئًا أو ملاحقًا بجرائم بسيطة. وغالبًا ما يستمر احتجازهم لفترات تتجاوز حتى العقوبة القصوى التي قد تفرض عليهم قانونًا، من دون أن يُنظر بجدية في أوضاعهم.

وتُعزى أسباب تأجيل جلسات المحاكمة إلى ذرائع متعددة، منها عدم توافر مادة المازوت لنقل السجناء إلى المحاكم، ونقص عدد عناصر الدرك، إضافة إلى اعتكاف القضاة نتيجة الأزمة الاقتصادية، فضلًا عن عوامل أخرى. فقد كشفت منظمة هيومين راييتس ووتش في العام 2023 أنه " ينتظر 4 من كل 5 أشخاص في السجن قاضياًٍ يبتّ في قضاياهم".

كذلك يُعاني السجناء في رومية من أن المياه الموجودة داخل السجن غير صالحة، لا للشرب ولا للاستحمام، فضلاً عن تراجع زيارات الأهل بسبب الأزمة الاقتصادية، وصولاً إلى غلاء أسعار دكان السجن (يطلق عليه السجناء اسم الحانوت) وعدم وجود رقابة عليه.

 

62 في المئة من السجناء غير محكومين

يُشير المحامي والمدافع عن حقوق الانسان الأستاذ محمد صبلوح، في حديث لـ"نفس"، إلى أن " نسبة الاكتظاظ الهائلة في السجون يقابله عجز الدولة عن تأمين أبسط المقومات من غذاء وطبابة". ويلفت إلى أنه "في الآونة الأخيرة باتت حالات الوفاة تتكرر، إما نتيجة الإهمال الطبي أو بسبب إقدام بعض السجناء على الانتحار".

ويستذكر صبلوح احدى السجناء الذي كان يحتاج إلى عملية قلب مفتوح، فلم تستطع إدارة السجن تأمين تكاليفها، وبعد ثلاثة أشهر من الانتظار جمعت عائلته المبلغ، لكنه توفي يوم موعد العملية. كما يُعطي صبلوح مثالاً آخر هو "الطفل السوري مهند الأحمد البالغ من العمر 14 عاما، والذي انتحر في سجن الوروار للأحداث، من دون أن يُفتح تحقيق جدي لمعرفة الأسباب".

ويلفت صيلوح إلى أن "السجون تعيش اليوم وضعًا بالغ الخطورة، إذ تقف على حافة الانفجار نتيجة الإهمال المستمر وتزايد حالات الانتحار. وفي ظل هذا الواقع المتفجر، تتفاقم الأزمات الإنسانية داخل الزنازين، فيما تنشط المافيات مستفيدة من الفوضى السائدة." ويختم مشيراً غلى أن ما "يزيد من صعوبة الوضع هو محاولة الاستثماء السياسي في هذا الملف خصوصاً عند اقتراب الاستحقاق الانتخابي"، موضحاً أن "نحو 62 في المئة من نزلاء السجون ما زالوا غير محكومين".

 

غياب مقومات الحياة الأساسية

في حديثه مع "نفس"، يلفت أحد السجناء من داخل سجن رومية إلى أن "كمية الطعام ونوعيته تراجعت نتيجة الغلاء الكبير بالأسعار الذي جعل المتعهدين يقتصدون بالكميات وباللحم والدجاج، حتى بعدما رفعت الدولة من قيمة العقود معهم". ويلفت إلى أن "السجناء الميسورون نسبياً يشترون طعامهم من حانوت السجن (الدكان) الذي ارتفعت أسعار".

من جانبه، يرسم سجين آخر، في حديث مع منصة "نفس"، صورة قاتمة عن الأوضاع المعيشية داخل سجن رومية، حيث يتصدر التدهور الصحي المشهد بوصفه أحد أخطر التحديات. فبحسب روايته، تكاد الخدمات الطبية تكون معدومة، ويُترك السجين لمصيره الصحي، مضطرًا إلى تحمّل كامل كلفة علاجه، من الوصفة الطبية إلى الصور الشعاعية والعمليات الجراحية، وكل ذلك بالدولار، من دون أن تتحمّل إدارة السجن أي جزء من هذه النفقات.

ولا تقتصر المعاناة على غياب الرعاية الطبية، إذ يشير السجين إلى انتشار واسع للأمراض الجلدية، وسط مخاوف متزايدة من تفشي الكوليرا نتيجة سوء نوعية المياه المستخدمة داخل السجن. ويوازي هذا التدهور الصحي تراجع حاد في نوعية وكمية الطعام المقدّم، إذ يؤكد أن الأزمة الاقتصادية انعكست مباشرة على وجبات السجناء، فتقلّصت حصص الغذاء وتدهورت جودتها، حيث باتت وجبة الدجاج تُقدّم مرتين فقط في الشهر بعد أن كانت مرتين أسبوعيًا، فيما تُقسّم حبة الخضار أو الفاكهة الواحدة بين سجينين أو أكثر.