البحث

مقاربة تقليدية تُقوّض العدالة: القانون لا يحمي الناجيات

 

حين قرّرت نانسي (اسم مستعار) أن تلجأ إلى القانون، لم تكن تتوقّع أن تتحوّل رحلتها نحو العدالة إلى تجربة قاسية أخرى. ففي أحد مخافر الدرك في بيروت، لم يبدأ الحديث عمّا تعرّضت له بقدر ما بدأ بسلسلة أسئلة بدت وكأنها محاكمة لها شخصيًا. فتلك الأسئلة تبدأ من الاستفسار عن الثياب التي كانت ترتديها مروراً بالتأكد من تناولها للكحول وصولاً إلى ما إذا كانت متأكدة أن ما حصل لم يكن برضاها؟

أسئلة محمّلة بالشك والوصم، شكّلت أول استقبال لها بعدما حاولت التبليغ عن تحرّش جنسي تعرّضت له في أحد شوارع بيروت. تروي نانسي، في حديثها لـ«نفس»، أن أحدًا لم يتوقّف عند ما عاشته أو عند حالتها النفسية. تقول بصوت مثقل: " شعرت بتلك الليلة بأن شيئًا ما انكسر داخلي. كنت أسير باتجاه العدالة، لكنني وُوجهت بنظرات تشكّك بي وكأن روايتي موضع ريبة".

 

قصة نانسي ليست حالة فردية، بل تعبير صارخ عن واقع أوسع تعيشه النساء والفتيات في لبنان. فالإطار القانوني المتعلّق بالاعتداءات الجنسية ما زال عاجزًا عن توفير الحماية والإنصاف للناجيات. القوانين لا تعترف بكل أشكال الاعتداء، ولا تُدرج مفهوم الرضا في تعريف الجريمة، ولا تعتبر الاغتصاب الزوجي جريمة، كما تتجاهل العنف النفسي والتهديد القائم على اختلال موازين السلطة. وفي ظل ثقافة اجتماعية تميل إلى تحميل الناجية المسؤولية بدل مساءلة المعتدي، تجد كثيرات أنفسهن خارجات من غرف التحقيق أكثر ألمًا وانكسارًا، إن تجرأن أصلًا على التبليغ.

 

عجز الإطار القانون عن حماية النساء

رغم الخطاب المتكرر عن تحديث القوانين وتقدّمها في لبنان خلال الأعوام الأخيرة، تكشف التجربة الفعلية أن النساء والفتيات ما زلن بعيدات عن أي حماية حقيقية من العنف الجنسي. فالإطار القانوني القائم لا يزال عاجزًا عن مواكبة هذا النوع من الجرائم، إذ إن المواد من 503 إلى 521 من قانون العقوبات تبدو منفصلة عن واقع اليوم، وتحمل في جوهرها مقاربة تقليدية تُقوّض العدالة بدل أن تكرّسها.

تتعامل هذه النصوص مع الاعتداءات الجنسية بمنطق بطريركي، حيث يُهمَّش مفهوم الرضا تمامًا، ويُعاد تعريف الجريمة بناءً على طبيعة العلاقة بين الجاني والضحية، لا على الفعل الجرمي نفسه. هذا الخلل البنيوي لا يبقى حبيس النصوص، بل ينعكس مباشرة على حياة الناجيات، اللواتي يجدن أنفسهن داخل منظومة قانونية تكرّس التمييز وتضاعف الأذى الواقع عليهن.

في هذا الإطار، تشير الناشطة في جمعية «كفى» والمحامية ليلى عواضة إلى أن قانون حماية النساء من العنف الأسري رقم 293/2014، حتى بعد تعديله عام 2020، لم يوفّر حماية فعلية للنساء، إذ إنه لا يخصّهن صراحة، بل يتعامل مع "أفراد الأسرة" بشكل عام، ما يفتح الباب أمام دعاوى كيدية يرفعها الأزواج ضد زوجاتهم، ويُفرغ القانون من مضمونه الحمائي. وتلفت أيضًا إلى أن قانون العقوبات ما زال يتجاهل تجريم الاغتصاب الزوجي بشكل واضح وصريح.

محاكم تُفاقم معاناة النساء

غير أن الإشكالية لا تقتصر على مضمون القوانين، بل تمتد إلى لغتها نفسها. فبحسب عواضة، تكمن إحدى أعمق المشكلات في قانون العقوبات في غياب تعريف دقيق للاغتصاب ولمختلف أشكال الاعتداء الجنسي، إضافة إلى استخدام مصطلحات مبهمة مثل "الفحشاء" و"الأعمال المخلة بالآداب"، وهي توصيفات ذات أبعاد اجتماعية وأخلاقية أكثر منها قانونية. أما قانون التحرش الجنسي، فتعتبر أنه يختزل الجريمة في كونها "سلوكًا غير مرغوب فيه"، من دون توصيف جرمي واضح أو توفير آليات حماية حقيقية للضحايا.

وتشير عواضة إلى أن بعض النصوص القانونية لا تعكس فقط قصورًا تشريعيًا، بل تكرّس ذهنية عنيفة تجاه المرأة. من هنا، تشدد على ضرورة تعديل قوانين الأحوال الشخصية التي تُبقي المرأة في موقع الطاعة والتبعية للرجل، معتبرة أن اختلال ميزان السلطة داخل الأسرة، حين يكون محميًا اجتماعيًا وقانونيًا، يجعل العنف أمرًا مستمرًا وممنهجًا.

وفي السياق نفسه، تنتقد عواضة أداء المحاكم الطائفية، التي ترى أنها لا تشكّل ملاذًا للنساء المعنّفات، بل غالبًا ما تُفاقم معاناتهن. فهذه المحاكم، بحسبها، لا تعتبر العنف سببًا كافيًا للطلاق، وتلجأ أحيانًا إلى توصيف المرأة بالناشز إذا غادرت منزل الزوجية أو رفضت المصالحة. كما أنها تتعامل باستخفاف مع العنف المعنوي، ولا توليه الجدية اللازمة، فضلًا عن انتهاك حقوق النساء المادية والشخصية عند الطلاق في بعض الحالات.

ومن ناحيتها، تقول منظمة هيومن رايتس واتش، في تقرير لها صدر عام 2021، إن قانون التحرش الجنسي في لبنان لا يستوفي المعايير الدولية، لا سيما لجهة عدم مصادقته على "اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن القضاء على العنف والتحرّش" وتطبيقها، كما ينقصه ذكر التدابير الوقائية، وإصلاحات قانون العمل، وسبل الانتصاف المدني.