إعلام اليوم.. فضاء للتمكين أم أداة لتعميق التهميش؟
سُكينة السمرة – بيروت
لم يعد الإعلام في شكله الحالي مجرد وسيط لنقل الأخبار والأحداث، بل تحوّل إلى فاعل أساسي في تشكيل الوعي الجمعي وصناعة الصور الذهنية عن الأفراد والجماعات. ومع التحولات التي فرضتها التكنولوجيا الرقمية، وبروز منصات التواصل الاجتماعي والبودكاست كبدائل للمؤسسات التقليدية، يبرز نقاش ملّح حول موقع الفئات المهمشة في هذا المشهد المتغيّر: هل منحها الإعلام الحديث مساحة أوسع للتعبير والتمثيل، أم أنه أعاد إنتاج التهميش بصيغ جديدة أكثر تعقيداً؟
في السياق العربي تحديداً، لا يقتصر تهميش فئات واسعة على البعد الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليشمل الإقصاء الثقافي والفكري والإعلامي، وأحياناً الديني. ورغم كون هذه الفئات جزءاً من المجتمعات، ظل حضورها الإعلامي، لسنوات طويلة، محدوداً أو مشروطاً بزوايا معينة. ومع التحولات الإعلامية الراهنة، يطرح السؤال نفسه: ما الذي تغيّر فعلياً؟
وللتوضيح يُقصد هُنا بالفئات المهمشة تلك الجماعات أو الفئات وقد تكون المناطق التي تُقصى بشكل منهجي عن دوائر التأثير والتمثيل والموارد، سواء لأسباب اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو سياسية. فتُصنَّف مناطق جغرافية بأكملها إعلامياً على أنها "منسية"، وغالباً ما تُقدَّم في الخطاب الإعلامي من زاوية واحدة تختزلها في الفقر، أو العنف، أو الأزمات. هذا النوع من التهميش المكاني لا يقل أثراً عن التهميش الاجتماعي، إذ ينعكس مباشرة على فرص سكان هذه المناطق في الظهور العادل، وفي رواية قصصهم خارج القوالب النمطية السائدة.
"الديمقراطية الرقمية".. فرصة؟
مع صعود الإعلام الرقمي ومنصات التواصل، بدا وكأن الفئات المهمشة وجدت مساحة بديلة للتعبير عن نفسها بعيداً عن قيود المؤسسات الإعلامية التقليدية. فقد أتاحت هذه المنصات للأفراد سرد قصصهم بأنفسهم، وبناء شبكات تضامن، وتسليط الضوء على قضايا لطالما غابت عن الأجندة الإعلامية السائدة. هذا التحول منح الفئات المنسية فرصة لإعادة تعريف نفسها وكسر احتكار التمثيل.
غير أن هذا التحول لا يمكن اعتباره انتصاراً كاملاً. فالإعلام الحديث، رغم ما يوفره من فرص، يحمل في طياته مخاطر لا تقل خطورة عن التهميش التقليدي. إذ نعيش اليوم في ظل ما يُعرف بـ "اقتصاد الانتباه"، حيث تتحول قضايا الفئات المهمشة في كثير من الأحيان إلى مادة استهلاكية سريعة يحكمها منطق "الترند" وخوارزميات المشاهدة.
في هذا الفضاء، يتم اختزال المعاناة الإنسانية المعقدة إلى محتوى قصير يهدف إلى تحقيق "الريتش" الأعلى، مما يؤدي إلى إفراغ القضايا من عمقها التاريخي والاجتماعي وتحويلها إلى مجرد ظواهر عابرة تختفي بانتهاء التفاعل اللحظي معها.
كما أن غياب الضوابط الأخلاقية والمهنية في الفضاءات الرقمية جعل هذه الفئات أكثر عرضة لخطاب الكراهية، والتنمر الإلكتروني، والتحريض الممنهج، في ظل تقصير الحكومات وتقاعس الشركات التكنولوجية الكبرى.
علاوة على ذلك، يبرز أيضاً خطر الفجوة الرقمية، فالتهميش لا يتوقف عند القدرة على النشر، بل يمتد إلى القدرة على الوصول والتأثير. فبينما يمتلك البعض الأدوات والمهارات التقنية لإدارة المحتوى، تظل فئات أخرى واسعة تحت وطأة "الأمية الرقمية"، مما يخلق تراتبية جديدة داخل مجتمع التهميش نفسه.
بين الدعم وإعادة إنتاج التهميش
رغم ما ذكر لا يمكن الجزم بأن الإعلام يعمّق تهميش الفئات المنسية، ولا بأنه يدعمها بشكل مطلق. فالإجابة تكمن في الكيفية التي تُستخدم فيها هذه الأداة. إذ يمكن للمنصات الحديثة أن تكون مساحة للتمكين حين تتيح للفئات المهمشة التعبير عن نفسها، وتعرض قضاياها في سياقها الإنساني والاجتماعي، بعيداً عن الاختزال والإثارة.
وفي المقابل، قد يتحول الإعلام إلى أداة لإعادة إنتاج الإقصاء حين يكتفي بالمعالجة السطحية، أو يعيد تدوير الصور النمطية، أو يستثمر في معاناة هذه الفئات لأهداف تجارية أو سياسية أو غيرها. ويتعاظم هذا الخطر مع صعود "المؤثرين" الذين باتوا يمتلكون سلطة لتوجيه الرأي العام، بمعزل عن الوعي أو المساءلة، حيث يتبنى عدد كبير من الجمهور أفكاراً ومواقف لمجرد صدورها عن شخصية ذات حضور رقمي.
ورغم هذا الواقع، تجدر الإشارة إلى أننا شهدنا نماذج لافتة لصناع محتوى استطاعوا إعادة تقديم مناطقهم ومجتمعاتهم بشكل فكك التنميط السائد وصدم الجمهور بصور مغايرة كلياً عمّا في ذهنهم. إن المسؤولية اليوم مضاعفة، وهي لا تقع على عاتق الأفراد وحسب، بل أيضاً على عاتق الشركات والحكومات لضمان ألا يتحول "صوت من لا صوت لهم" إلى مجرد صدى يحكمه الأرباح. فالسؤال لم يعد فقط: هل يظهر الإعلام الفئات المهمشة؟ بل كيف يظهرها، ومن يمنحها الصوت، ولمصلحة من تُروى قصتها.