سُكينة السمرة
نشرت منصة "This is Beirut" ما وصفته بحدث "غير مسبوق" ضمن مؤتمر ميونخ للأمن 2026، متمثلاً في استضافتها "أول جلسة نقاش رسمية للمجتمع المدني اللبناني والإسرائيلي" بالتعاون مع "مايند إسرائيل". وبحسب المنصة، تهدف الجلسة لفتح نقاش حول "التكامل الإقليمي" ومسار الانتقال نحو "السلام المستدام".
هذا التوجه ليس معزولاً، بل يبدو امتداداً لنهج تعتمده المنصة التي تتخذ من بيروت اسماً ومقراً لها وفقاً لما تعلن على صفحاتها. ففي أواخر عام 2025، فتحت هوائها لمسؤول إسرائيلي لمخاطبة اللبنانيين، في سابقة إعلامية تجاوزت نقل الخبر إلى الانخراط المباشر في التسويق لسردية العدو وتلميع مشاريعه السياسية تحت مسميات "السلام"، والأخطر مرورها وكأنها لم تكن.
ولم تكتفِ المنصة عند هذا الحد، بل باتت تنشر محتوى مرئياً يصور إسرائيليين كـ "حمامات سلام" يوجهون رسائل محبة للبنانيين، معبرين عن رغبتهم في زيارة لبنان ودعوة اللبنانيين لزيارتهم في المقابل. وللمفارقة بعض هؤلاء يقيمون في مستوطنات محاذية للحدود اللبنانية تقع قبالة القرى الأمامية التي تُستهدف يومياً من قبل اسرائيل نفسها.
تُمثّل الخطوات التي تقدم عليها منصة "This Is Beirut" تجاوزاً خطيراً للأطر الوطنية والقانونية التي تحكم العمل الإعلامي في لبنان. خاصةً أن هذه البروباغاندا تمارس في توقيت شديد الحساسية، وتحديداً في أعقاب الحرب الأخيرة وما خلفته من مجازر مروعة بحق المدنيين وتدمير واسع للبنى التحتية والقرى والبلدات اللبنانية.
إن قيام وسيلة إعلامية تدعي الانتماء إلى للبلد بتقديم منبر لمن يمارسون هذه الاعتداءات حتّى اليوم، يمثل ترويجاً وقحاً لسردية العدو التي تحاول قلب الحقائق وتصوير الجلاد بمظهر "الناصح" الحريص على ازدهار لبنان.
وخطورة هذا النهج الإعلامي تكمن في كونه منصة طيّعة لمحاولة كسر الحاجز النفسي والوطني بين المواطن اللبناني واسرائيل. هذا النوع من الأداء الإعلامي لا يمكن تصنيفه كحرية تعبير، بل هو ترويج لخطاب معادٍ يهدف إلى تقويض الثوابت وإعادة صياغة الوعي الجمعي بما يخدم المصالح والسردية الإسرائيلية، وهو ما يفترض أن يضع هذه المنصة والقائمين عليها في مواجهة مباشرة مع القانون اللبناني الذي يجرّم أي شكل من أشكال التعامل أو التواصل مع العدو.
والتغاضي الرسمي عن مؤسسات إعلامية تروج للسردية الاسرائيلية من داخل الحدود اللبنانية، وفقاً للوسيلة، فور انتهاء حرب ضروس، بينما يُشدد الخناق على اللبنانيين ولا تزال أراض لبنانية تقصف، أمر غير مقبول ويفتح الباب أمام تساؤلات عدة.
على الصعيد القانوني، بعض هذه المؤسسات تسجل مكاتبها في بلاد خارج لبنان تتيح التعامل مع اسرائيل وتدعي أنها تخضع لقوانين تلك البلاد وليس للقانون اللبناني، رغم أن طاقمها وجمهورها لبناني، ما لا يعفي الوسيلة من مسؤوليتها، طالما أن نشاطها وجمهورها واستهدافها وتأثيرها يقع في صلب المجتمع اللبناني.
كذلك يتم أحياناً الالتفاف على القانون بحجة "نقل الخبر" أو "معرفة فكر العدو"، وهي حجج قانونية ضعيفة أمام نص قانون المقاطعة الصريح، وهو أساساً ما تخطه المنصة هنا بحيث من الواضح ترويجها للدعاية الاسرائيلية خاصةً في طريقة انتاج المحتوى وتقديمه للجمهور.
خلاصة القول، إن الصمت الرسمي والقضائي إزاء هذه الممارسات الإعلامية يطرح علامات استفهام جدية، ويستوجب تحركاً فورياً لوضع حد لهذا الانفلات الذي يحاول تصدير القتلة في ثياب "دعاة السلام".