البحث

هكذا كسرن الصورة النمطية... شابات لبنانيات يقتحمن مهنة نقل الركاب بالدراجات النارية

شكل الانهيار الاقتصادي الذي شهده لبنان في العام 2019 وما رافقه من تراجع في فرص العمل وارتفاع كلفة المعيشة فرصةً للدخول بتحولات اجتماعية تكسر الاعتبارات الجندرية التي لطالما تحكمت بسوق العمل. فالوضع القائم سعّل عملية انتقال النساء إلى يتجهن إلى مجالات مهنية لطالما اعتُبرت حكراً على الرجال، حيث أصبحت الكفاءة والمنافسة هما المعيار الحقيقي.

ومن بين هذه المبادرات، برز مشروع "B-TAKKI"، الذي أطلقته مجموعة من الشابات لتقديم خدمة نقل الركاب عبر الدراجات النارية، في تجربة استقطبت اهتماماً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، لما تحمله من كسر للصورة النمطية حول طبيعة المهن التي يمكن للمرأة أن تمارسها، ولارتباطها أيضاً بالظروف الاقتصادية التي دفعت كثيرات إلى البحث عن مصادر دخل جديدة.

لم يكن انضمام نور شرف الدين إلى مشروع "B-TAKKI" وليد الصدفة، بل جاء نتيجة بحثها عن مصدر دخل إضافي في ظل غياب الاستقرار الوظيفي في قطاع العمل الاجتماعي. فرغم عملها ممرضة وأخصائية اجتماعية، تؤكد أنها لم تتخلَّ عن مهنتها الأساسية، وتقول: "العمل الاجتماعي بالنسبة إليّ رسالة، لكن الواقع في لبنان صعب، إذ ترتبط معظم فرص العمل بمشاريع مؤقتة تنفذها المنظمات، وتنتهي بانتهاء فترة التمويل. لذلك، بدأت أبحث عن فرصة تؤمّن لي دخلاً إضافياً، وكان مشروع B-TAKKI أحد الخيارات التي فتحت أمامي هذا الباب".

وعن نشأة المشروع، توضح نور أن الفكرة انطلقت من حاجة ملموسة لدى النساء، وتقول: "أردنا توفير خدمة نقل تمنح الفتيات خصوصية وراحة أكبر، وفي الوقت نفسه تتيح للنساء فرصة قيادة الدراجة النارية والعمل في هذا المجال. بدأنا بخمس شابات فقط، لكن بعد نشر الفكرة لاقت تفاعلاً واسعاً، وارتفع عدد الفريق إلى نحو 34 شابة، ما أكد وجود حاجة حقيقية إلى هذه التجربة".

ولا تنظر نور إلى المشروع باعتباره مجرد وسيلة لتأمين دخل إضافي، بل تعتبره تجربة عززت ثقتها بنفسها ودفعتها إلى كسر الصور النمطية المرتبطة بالمهن. وتقول: "شكّلت تجربتي في B-TAKKI فرصة للاعتماد على نفسي وخوض مجال جديد وغير مألوف. كما لاحظت أن كثيراً من الفتيات يشعرن براحة وأمان أكبر عندما تكون سائقة الدراجة امرأة. وفي النهاية، أؤمن بأن أي عمل شريف لا ينتقص من قيمة الإنسان، بل يعكس اجتهاده وقدرته على التكيّف مع الظروف".

وتختم برسالة تدعو إلى تجاوز الأحكام المسبقة، قائلةً: "اكتشفت أن الخوف الحقيقي يكمن في عدم المحاولة، فالإنسان قادر على النجاح عندما يكون مقتنعاً بخطوته، مهما بدت جديدة أو غير مألوفة. وأتمنى أن يُقيَّم الإنسان على أساس كفاءته وأخلاقه، لا على نوع المهنة التي يمارسها أو كونه رجلاً أو امرأة، وأن يُنظر إلى العمل الشريف باعتباره مصدر فخر، لا سبباً لإطلاق الأحكام على الآخرين".

ومن جانبها، تؤكد ميساء أن انضمامها إلى المشروع لم يكن بديلاً عن مهنتها الأساسية، بل امتداداً لقناعتها بأهمية الاستقلالية وخوض تجارب جديدة.  وتوضح أن التجربة دفعتها إلى توجيه رسالة لكل فتاة تسعى إلى تحقيق حلمها، مضيفةً: "لا تسمحي لآراء الآخرين بأن تحدد مستقبلك، فكل فكرة جديدة تواجه في البداية قدراً من الرفض والاستغراب، لكنها قد تكون الخطوة التي تخرج الإنسان من دائرة الراحة وتفتح أمامه آفاقاً جديدة".

وتشدد ميرنا على أن النساء يجب أن يخترن المسار الذي يعبر عن طموحاتهن، بعيداً عن الصور النمطية، قائلةً: "على النساء أن يسرن في الطريق الذي يشبهنه. فقيادة الدراجة النارية لا تنتقص من أنوثتهن، والمرأة قادرة على النجاح في أي مجال تؤمن به".