"تخيل أن تسمع صوت انفجار في وضح النهار، تسأل إن كان ما حصل استهداف اسرائيلي، ليأتي الجواب أن الصوت ناجم عن استخدام طريقة الصيد بالديناميت". هذا ما يقوله محمد ، ابن بلدة عدلون الجنوبية، في حديث لـ"نفس" حول ما يعيشه أهالي المنطقة في هذه الأيام. ظاهرة الصيد بالديناميت ليست جديدة، بل يمكن القول أنها تعبير صريح عن ضعف أجهزة الدولة في حماية الثروة البحرية بعد أن فشلت السلطة السياسية في حماية الأملاك البحرية العامة.
في هذا التحقيق، يتتبع "نفس" المسؤولين المباشرين عن هذا النوع من الصيد الجائر في جنوب لبنان، وتحديداً في المنطقة الممتدة بين الصرفند وعدلون، فضلاً عن الغطاء السياسي الذي يتمتعون به ويمنع توقيفهم أو محاسبتهم.
تتميز منطقة عدلون والصرفند بطبيعة جغرافية مُعينة تُسهّل من عميلة الصيد بالديناميت التي يحرص من يُنفذها على سرعة في التنفيذ والبقاء بعيداً عن أعين المواطنين والصيادين الشرعيين. ففي تلك البلدة، تتداخل البساتين مع الشريط الساحلي وتلاصق المنازل الشاطئ، إلى جانب انتشار مساحات كثيفة من القصب بمحاذاة البحر، توفّر مسالك ومخابئ طبيعية تسهّل حركة المخالفين وتخفي تنقلاتهم.
في زيارة ميدانية ومقابلات ميدانية مع الصياديين تتقاطع المعلومات حول وجود نحو 12 مركباً يُمارسون هذا النوع من الصيد، إلى جانب بعض المواطنين الذين يصطادون بالديناميت على مقربة من الشاطىء من جون امتلاكهم لمراكب صيد. وبحسب تلك المعطيات يتضح أن ثلاثة مراكب في في ميناء ”عين القنطرة“، وثلاثة في مبناء "المونس" وستة مراكب في ميناء الزيرة.
غطاء سياسي وعائلي يمنع المحاسبة
يُشير أحمد، الصياد في ميناء الصرفند، إلى أن "الغطاء السياسي الذي يحظى به المخالفون يُشجعهم على تكرار ممارساتهم"، مصيفاً "لا يوجد أحد في الميناء لا يعلم بهوية هؤلاء، فهل يُعقل أن الأجهزة الامنية لا تعرفهم!". وحول الجهة التي توفر هذا الغطاء السياسي، يُجيب "أحزاب المنطقة"، في إشارة إلى حركة أمل وحزب الله. ويوضح أن ثمة "الكثير من المرات التي قامت الأجهزة الأمنية بإلقاء القبض عليهم وإحالتهم إلى التحقيق ليُصار إلى إطلاق سراحهم بعد ساعات أو أيام قليلة بحجة أنهم وقعوا على تعهد بعدمم تكرار الأمر".
إلى جانب الغطاء السياسي، ثمة بُعد عائلي يلعب دوراً في منع محاسبة المخالفين. يوضح حسين، الصياد في ميناء الصرفند، أن "معظم الصياديين ينتمون إلى عائلات المنطقة، وفي حال قيام أي أحد بالتبليغ عنهم للقوى الامنية فقد يتحول الموضوع إلى خلاف عائلي".
يُعرب رئيس الجمعيّة التعاونيّة لصيّادي الأسماك في الصرفند محمّد سليم، في حديث لـ"نفس"، عن آسفه من هذه الظاهرة التي "قضينا عمرنا نحاول نوقفها وما قدرنا". ويلفت إلى أن "لبنان بلد قائم على "الفوضى، والغوص في هذا الملف سيُسبب مشاكل مع الجميع، سواء المخالفين أو المسؤولين أو حتّى القوى الأمنية". ويوضح أن "الجميع يتحمل المسؤولية، حتّى البلديات ووزارتي الزراعة والبيئة".
ويوضح سليم أنه "من باب الإنصاف فإن امكانات المخافر لا تتلائهم مع حجم المهام الملقة على عاتقها، فتخيّل مثلاً أن أحد المخافر الذي كان يتعاون معه يملك زورقًا مطّاطيًّا واحدًا، وبهذا الزورق نريد منه أن يوقف ظاهرة عمرها من عمر لبنان".
لا تقتصر أضرار استخدام الديناميت على تدمير البيئة البحرية واستنزاف الثروة السمكية، بل تمتد لتشكل خطراً مباشراً على سلامة الصيادين الذين يمارسون أساليب صيد تقليدية وقانونية. ويقول علاء، وهو أحد الصيادين في ميناء الزيرة، إن "المشكلة التي تواجه الصياديين غير مقتصرة على استخدام الديناميت ولو أنه الصيد الاكثر خطورة، فثمة صياديين يستخدمون الصنانير غير القانونية أو الشباك الضيق، وكل ذلك يُؤدي إلى تراجع عملنا".
ويشير علاء إلى أن آثار هذه الممارسات تطاله شخصياً بحكم تخصصه في صيد البارودة، وهو نوع من الصيد يتطلب البقاء لفترات طويلة تحت الماء. ويوضح أن تكرار الانفجارات الناتجة عن استخدام الديناميت يجبره على سماع دويها بشكل متواصل، فضلاً عن امكانية أن يُلقى بالديناميت إلى جانبه ولو عن طريق الخطأ.
وحول أسباب عودة هذه الظاهرة بشكل كبير، يوضح هادي، الصياد في ميناء المونس، أن ذلك يعود إلى "دخول أعداد كبيرة من العناصر غير المنضبطة إلى عالم صيد السمك حيث تراجع أعداد الصيادين الملتزمين بالقوانين لمصلحة فئات أخرى"، مضيفاً "أصبحت مهنة الصيد مقصداً لكل من ضاقت أمامهم سبل العيش، بتنا نجد العسكري والمعلم والموظف، وغيرهم من الذين أصبحوا يمتهنون الصيد كمورد دخل إضافي".
من يصنع الديناميت؟
ووفقاً لسليم، يتولى الصيادون المخالفون أنفسهم تصنيع العبوات الناسفة المستخدمة في صيد الأسماك، بالاعتماد على مواد تدخل في تركيب الأسمدة الكيماوية تُعالج بطرق خاصة. وبعد الانتهاء من إعداد هذه العبوات، تُثبَّت بأحجار لتغوص إلى أكبر عمق ممكن قبل أن تنفجر، ما يؤدي إلى نفوق أعداد هائلة من الأسماك والكائنات البحرية. وعقب الانفجار، تطفو الكائنات النافقة على سطح المياه، ليجمعها الصيادون بسهولة.
وفي التدليل على حجم استخدام هذه الطريقة الجائرة في الصيد، ثمة رواية شعبية يتناقلها الصياديين من دون التأكد من مدى صحتها، يُشير إلى أن وفداً من الصياديين زار في احدى السنوات رئيس مجلس النواب نبيه بري ليشكلوا له مدى انتشار هذه الآفة، وكان من بينهم عدد من الصياديين الذين فقدوا أصابعهم على أثر انفجار الديناميت بالقرب منهم نتيجة خطأ في استخدامهم له.
أخطر ما يُهدد الثورة السمكية
وفي هذا السياق، يؤكد مدير محمية شاطئ صور الطبيعية والباحث في علوم البحار، الدكتور علي بدر الدين، أن استخدام المتفجرات "يُعدّ من أكثر وسائل الصيد تدميراً، متجاوزاً في خطورته حتى الشباك الضيقة المحظورة قانوناً". ويوضح، في حديثه لـ"نفس"، أن "الانفجارات لا تقتصر آثارها على الأسماك المستهدفة، بل تمتد لتقضي على مختلف مكوّنات النظام البيئي البحري، من أصغر الكائنات الحية إلى أكبرها، كما تهدد السلاحف البحرية وتقضي على مصادر غذائها".
ويضيف بدر الدين أن "اللجوء إلى الديناميت أو غيره من المتفجرات يؤدي إلى تدمير شامل للتنوع الإيكولوجي في المياه اللبنانية، محذّراً من أن نحو 80 في المئة من الساحل اللبناني يتكوّن من شواطئ صخرية تُشكّل موائل طبيعية مثالية لتكاثر الأحياء البحرية". ويؤكد أن "استهداف هذه البيئات الحساسة بالمتفجرات يهدد استدامة الحياة البحرية ويقوّض قدرة المخزون السمكي على التجدد".
على الصعيد القانوني، يحظر التشريع اللبناني صراحةً استخدام المتفجرات في الصيد البحري. فقد نصّت المادة 25 من قانون مراقبة الصيد البحري الساحلي الصادر عام 1929 على منع الصيد باستخدام المواد المتفجرة، إضافة إلى جميع المواد المعدّة لتسميم الأسماك، في إشارة واضحة لما ينطوي عليه هذا النوع من الصيد من مخاطر جسيمة على البيئة البحرية والثروة السمكية.
ورغم وضوح الحظر القانوني، يرى رئيس التجمع اللبناني للبيئة، مالك غندور، في حديثه لـ"نفس"، أن منظومة العقوبات المرتبطة باستخدام الديناميت في الصيد لا تزال بحاجة إلى تطوير. ويوضح أن العقوبات تُترك، في كثير من الحالات، لتقدير القضاة، الأمر الذي قد يفتح المجال أمام تدخلات سياسية تؤثر في مسار المحاسبة وتضعف فعالية الردع.
وفي ما يتعلق بمسؤولية وزارة البيئة، يلفت غندور إلى أن دورها يتركز في مراقبة الأنشطة التي تطال المواقع ذات الحساسية البيئية، مشيراً إلى أن مسؤوليتها في ملف الصيد بالمتفجرات تتمثل في التنسيق مع وزارة الزراعة لحماية الأنواع المهددة بالانقراض، والتي يضعها استخدام الديناميت في دائرة الخطر نتيجة ما يسببه من تدمير واسع للموائل البحرية.
أمام هذا الواقع، يمكن القول أن الصيد بالديناميت لم يعد مجرد مخالفة فردية يرتكبها بعض الصيادين، بل بات ظاهرة تتغذى من القاعدة المُتبعة في لبنان القائمة على سياسة "الإفلات من العقاب". فالحماية السياسية والعائلية التي تحول دون محاسبة المخالفين أدت إلى عودة هذه الظاهرة التي تطال أضعف فئات المجتمع وأكثرهم حاجةً لحماية مصدر رزقهم، وهو ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى مشكلة بيئة – اجتماعية سيدفع ثمنها اللبنانيون.