البحث

إصلاحات قانون الإعلام تُحاصرها "مواد ملغومة"

 يمثّل إقرار قانون الإعلام محطة إصلاحية طال انتظارها، بعد سنوات طويلة من النقاش والعمل التشريعي، لما يتضمنه من تعديلات تعزّز حرية التعبير والعمل الصحافي، وتكرّس حماية المصادر والاستقلالية التحريرية، وتحدّ من العقوبات السجنية في قضايا النشر، إلى جانب الانتقال نحو المسؤولية المدنية وتنظيم عمل المؤسسات الإعلامية وفق معايير أكثر شفافية.

إلا أن هذه الإصلاحات لا تحجب المخاوف من بعض مواد القانون، ولا سيما المادتين 104 و105، اللتين تثيران انتقادات جدية خشية أن تُستخدم بعض أحكامهما لتقييد حرية التعبير أو ملاحقة الصحافيين. وبين أهمية الحفاظ على الإصلاحات التي أتى بها القانون وضرورة معالجة الثغرات التي قد تهددها، يبرز تعديل هاتين المادتين كخطوة أساسية لضمان تطبيق القانون بما ينسجم مع روحيته القائمة على حماية حرية التعبير.

في هذا السياق، أشارت رئيسة اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، إلسي مفرّج، في حديث لـ"نَفَس"، إلى أن "مسار القانون بدأ منذ 16 عاماً، عندما قدّمت مهارات، بالتعاون مع النائب غسان مخيبر، اقتراح قانون خاض مساراً طويلاً داخل لجنة الإعلام امتد لنحو 10 سنوات، ثم انتقل إلى لجنة الإدارة والعدل. حينها بدأنا التحرك لإدخال إصلاحات عليه".

وفي هذا السياق، لفتت مفرّج إلى أن "هذا الضغط أدى إلى تشكيل لجنة مصغرة منبثقة عن لجنة الإدارة والعدل، برئاسة جورج عقيص، وحضر ممثل عنّا وعن مهارات، وكذلك ممثلون عن نقابتي المحررين والصحافة. ثم انتقل إلى لجنة الإدارة والعدل التي أضافت إليه بعض التعديلات".

 

فلسفة قانون الإعلام الجديد

وفي السياق عينه، أكدت مفرّج أن "فلسفة القانون تقوم، من ناحية، على حرية التعبير وحرية العمل الصحافي، ومن ناحية أخرى، على حماية كرامة الأشخاص وحماية المجتمع".

وفي هذا الإطار، لفتت إلى أنه "على مستوى حرية التعبير، لدينا توسيع لحرية الصحافة مقارنة بالسابق، بحيث اعتُمدت تعريفات وفق معايير عالمية. وهناك ضمانات لعمل الصحافي، مثل حماية المصادر، وحمايته داخل المؤسسات الإعلامية، وحماية حقه في التجمع، وحماية النقابات".

وأشارت إلى أن "القانون نقلنا من نظام الترخيص إلى نظام العلم والخبر، ما أتاح حرية تأسيس المنظمات. وعلى المستوى القضائي، انتقلنا من إعطاء صلاحيات للمحاكم الاستثنائية، المتمثلة بالمحكمة العسكرية ومحكمة المطبوعات، إلى غرف مدنية من الدرجة الأولى في المحافظات".

وفي السياق نفسه، أوضحت أن "القانون خفّض بشكل كبير عدد النصوص التي كانت تسمح بعقوبة سجنية في قانونَي المطبوعات والعقوبات، والمعركة اليوم هي لإلغاء كافة العقوبات السجنية".

أما على مستوى حماية المجتمع، فأشارت مفرّج إلى أن "لدينا تجريم لخطاب الكراهية استناداً إلى خطة الرباط، كذلك حماية المجتمع من خلال إلزام المؤسسات الإعلامية بالكشف عن مصادر تمويلها وملكيتها".

وفي ما يتعلق بالهيئة الوطنية للإعلام، أوضحت أن "من يتولى المسؤولية هي الهيئة الوطنية المستقلة إلى حد بعيد، بحيث يتم تسمية 7 أعضاء منها مباشرة من هيئات مستقلة، و3 من مجلس الوزراء بناءً على ترشيحات الهيئات المستقلة، وهذا أفضل من أن تأتي الأسماء على شكل محاصصة من مجلس الوزراء".

وأضافت أن "صلاحيات الهيئة محدودة وليست رقابية، بحيث لا تفرض عقوبات، وإنما تقتصر مهمتها على التحويل إلى القضاء في حال وجود مخالفة".

 

مكتسبات أقرها القانون

وفي سياق متصل، أوضحت مديرة البرامج في مؤسسة مهارات، ليال بهنام، في تصريح لـ"نَفَس"، أن "إقرار قانون الإعلام بعد 16 سنة من النقاش والعمل التشريعي هو محطة إصلاحية مهمة، ولكن هذا لا يعني أن ليس لدينا ملاحظات جدية عليه. فالهدف الأساسي هو الانتقال نحو إطار حديث يقوم على حرية الإعلام والمسؤولية المدنية والتعددية والشفافية، وهذا هو التوجه الذي حاولنا أن يرعاه القانون".

وفي هذا الإطار، اعتبرت بهنام أن "أهم إصلاح بالنسبة لنا هو الانتقال من العقوبات الجزائية إلى المسؤولية المدنية في قضايا النشر، لكل ما يتعلق بالقدح والذم والتحقير. وتكمن أهميته في أنه لا يحمي الصحافيين فقط، وإنما حرية التعبير للجميع".

وأضافت أن "القانون، ولأول مرة، يقر حماية مباشرة لمصادر الصحافيين واستقلاليتهم التحريرية، وحقهم في الانتساب إلى أي تجمعات ونقابات، ويمنع التوقيف الاحتياطي في قضايا النشر، كما يضمن حرية إنشاء مؤسسات إعلامية، خصوصاً المواقع الإلكترونية، من دون ترخيص مسبق".

كما أشارت إلى أن "هناك إطاراً متكاملاً لشفافية وسائل الإعلام وتمويلها، وإنشاء هيئة وطنية للإعلام تضطلع بمهمة استقبال العلم والخبر والتأكد من امتثال وسائل الإعلام لموجبات الشفافية. وطريقة تشكيلها تهدف إلى الحد من قدرة السلطة السياسية على تسمية الهيئة".

 

المادة 104 ومخاوف إساءة الاستخدام

وفيما يتعلّق بمساوئ القانون، أوضحت مفرّج أن "أبرز المساوئ هما المادتان 104 و105. فالمادة 104 تجرّم الأخبار الكاذبة والمؤذية، وهي عبارة فضفاضة يمكن أن تتحول إلى مطيّة يستند إليها بعض القضاة، وعقوبتها السجن أو العقوبة أو الاثنان معاً".

وتابعت موضحةً أن "المادة 105 تُعدّد المواد القانونية التي لم تعد تُطبّق على جرائم النشر. والمشكلة أن بعض المواد التي سقطت كانت متعلقة بالقدح والذم بحق رئيس دولة أجنبية، ورغم ذلك، هناك فقرة تشير إلى أنه في حال وجود خلاف بين هذا النص ونص آخر، يُطبّق هذا النص، وهذا ما يعطي نوعاً من الحصانة".

كما لفتت إلى أن "النص ألغى التوقيف الاحتياطي لجميع المواطنين بناءً على الرأي، وليس فقط الصحافيين". وفيما يتعلّق بالخطوات التالية، أكدت مفرّج أن "أول ما يصدر القانون، سنطلب من النواب تقديم اقتراح لتعديل المادتين 104 و105".

وفي سياق متصل، أوضحت بهنام أن "المشكلة الأساسية في القانون هي أنه في اللجان المشتركة أُدخلت الفقرة "ب" إلى المادة 104 المتعلقة بخطاب الكراهية. ونحن لم نكتفِ بالاستناد إلى خطة الرباط، بل حرصنا أيضاً على كتابة هذه العناصر في نص القانون".

لكنها لفتت إلى أن "المشكلة هي إضافة الفقرة "ب" التي تجرّم الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، وهذا ما شكّل موضع اعتراض أساسي، إذ يمكن إساءة استخدامها ضد الصحافي".

وفي ختام موقفها، أكدت بهنام أن "موقف مهارات هو ضرورة حماية الإصلاحات التي جاء بها القانون، وضرورة العمل على تعديل الفقرة "ب" من المادة 104 وتوضيح المادة 105. ونصرّ على أن يُطبّق القانون بروحية النص التي تتمسّك بحرية التعبير، وأن يكون التجريم هو الاستثناء فيما يتعلّق بخطاب الكراهية".