المحامية الدكتورة خلود الخطيب
أستاذة القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
كلية الحقوق والعلوم السياسية
حين تُهدَم البيوت وتُمحى ملامح القرى، نفتّش في الصور القديمة عمّا بقي من أيّامنا هناك: طريقٌ يحفظ وقع خطواتنا، وساحةٌ شهدت كيف كبرنا، وبيتٌ نعود إليه فنطمئنّ إلى أنّ لنا مكاناً في هذا العالم. في الصورة، ما زال كلّ شيءٍ في مكانه. أمّا في الواقع، فلم يبقَ إلّا ركامُ مكانٍ كان يتّسع لحياتنا، وصرنا نحن من يحاول أن يتّسع لغيابه.
ومن هذا الغياب يولد سؤالٌ أصعب: كيف يجد أبناؤنا طريقهم إلى أمكنةٍ لا يعرفونها إلّا من حكاياتنا؟ وكيف ينسجون معها ذاكرةً تخصّهم، لا ذاكرةً يستعيرونها منّا؟
رافقني هذا السؤال وأنا أقرأ تأمّلات ابني جاد عن معرض "احكيلي يا جنوب"، وقد كتبها لمادّة علم الاجتماع في الجامعة الأميركية في بيروت. استوقفني أنّ الدراسة فتحت له باباً إلى حكايات الناس، ودعته إلى التأمّل في أشياء تبدو عاديّة، فاكتشف كم تختزن من حياة أصحابها.
«احكيلي … وعدٌ بالإصغاء
اسم المعرض وحده حكاية. فـ"احكيلي" كلمةٌ نقولها لمن نحبّ حين نجلس قربه ونريد أن نسمعه على مهل: "احكيلي شو صار"، "احكيلي كيف كانت". فيها قربٌ ورجاء، ووعدٌ ضمنيّ بأنّنا سنصغي. أمّا "يا جنوب"، فنداءٌ لا يخاطب الجغرافيا فقط، بل يخاطب الناس والحقول والبيوت، ومن بقي فيها، ومن غادرها ولم تغادره.
وللمكان الذي احتضن هذا النداء دلالته أيضاً. فبيت بيروت، المبنى القديم عند تقاطع السوديكو، حوّلته الحرب الأهليّة موقعًا للقنص على خطّ التماس، وما زالت جدرانه تحمل آثار الرصاص كما يحمل الجسد ندوبه. هو اليوم بيتٌ مجروح يحتضن ذاكرة بيوتٍ جُرحت، كأنّ الأمكنة، مثلنا، تعرف هي أيضاً كيف "تحكيلنا".
في هذا البيت، تخرج صور الجنوب ورسائله ومفاتيح بيوته من خصوصيّة أصحابها إلى مساحةٍ نتشارك فيها النظر والإصغاء. فلكلّ صورةٍ حياةٌ سبقتها إلى المعرض. ثمّة من يجد فيها شيئاً من عمره، فيستعيد وجهاً، أو يتوقّف طويلاً أمام ركوة قهوةٍ تشبه ركوة أمّه. وثمّة من يقترب من حياةٍ لم يعرفها، فيصير لاسم القرية الذي سمعه في نشرات الأخبار أهلٌ وبيوتٌ وصباحاتٌ وأمسيات. وبين ذاكرةٍ تجد أخيراً من يصغي إليها ويتمسّك بها ، يلحّ علينا السؤال: أي جنوب بقي لنا؟ مفاتيح بلا أبواب
ولعلّ أوضح جوابٍ عن هذا السؤال يكمن في الأشياء الصغيرة. ففي عمل «مفاتيح بلا بيوت» لأديب فرحات، تتدلّى المفاتيح من السقف كأجراسٍ صامتة. وتروي فاطمة حاج علي، من النبطية الفوقا، أنّها كانت تنتظر أن تعود لتفتح الباب بمفتاحها، فإذا بالباب لم يعد هناك.
أن تفتح باب بيتك فعلٌ نكرّره كلّ يومٍ من دون انتباه، لكنّه يختصر معنى أن يكون لك مكانٌ في العالم. فالبيت هو المكان الوحيد الذي لا يسألك: "مين إنت؟ وشو جايبك لهون".
وكما تحكي المفاتيح عن أبوابٍ تدمرت ، تحكي الرسائل عن أرضٍ بقيت في البال. ففي عمل المصوّرة روان مازح "خطوط التغريب" رسائلُ عائلةٍ فرّقها معتقل الخيام يتكرّر فيها السؤال عن الأرض والأشجار، وكأن الأحداث تتكرر بمرور السنوات.
ما الذي يجعل إنساناً محروماً من حرّيّته يسأل عن شجرة؟ من يعرف الجنوب يعرف أنّ الزيتونة ليست مجرّد شجرة. إنّها هويّة، وموسمٌ تلتمّ فيه العيلة من الفجر، وشوادر تُفرَش تحت الأغصان، وطريقٌ إلى المعصرة، وزوّادةٌ تُرسَل إلى من هاجر كي يبقى طعم الضيعة في روحه.
ومن يعرف جنوب الجنوب، هناك حيثُ القرى الحدودية التي ضاعت معالمها وتهدمت أبنيتها، يعرف ارتباط أهلها بشتلة التبغ أو "النبتة المُرّة" كما يحلو لهم مناداتها. فتلك الشتلة كانت أداة صمودهم إبان الاحتلال ومصدر رزقهم الوحيد، وبقيت حتّى الأمس القريب المحرك الأساسي للعجلة الاقتصادية، فمن كان يُريد أن يتزوج أو يبني منزلاً أو يُسدد ديناً ما كان عليه سوى أن ينتظر موسم الحصاد.
هكذا هي الأشياء الصغيرة: لا ندرك أنّها كانت تحمل العالم كلّه إلّا حين يسقط العالم من حولها.
الصمود على أكتاف النساء
وإذا كانت الأشياء تحمل الذاكرة، فإنّ النساء كثيراً ما يحملن الأشياء والذاكرة معاً. ولعلّ أثقل ما في كلمة "الصمود" أنّها تقع على أكتافهنّ. فهنّ في الغالب من يجمعن الأغراض على عجل، ويحملن صور العائلة وأوراقها، ويُعِدن ترتيب الحياة في غرفةٍ مستأجرة أو في صفٍّ مدرسيّ صار مأوى. وفي المعرض أعمالٌ لفنّانات، وشهاداتٌ لنساءٍ عن النزوح والعائلة والأرض، تكشف فصولاً من تاريخ الحرب طالما بقيت خارج الرواية العامّة.
غير أنّ هؤلاء النساء لسن راوياتٍ فحسب، بل صانعات سلامٍ يعرفن بدقّةٍ ما تكلّفه الحرب يوماً بعد يوم، وما تحتاجه العودة فعلًا. ومع ذلك، يغبن غالباً عن الطاولات التي تُقرَّر فيها الحماية وإعادة الإعمار ومستقبل القرى. لذلك لا يكون الاعتراف الحقيقيّ بهنّ بمديح قدرتهنّ على الاحتمال، بل بأن يكون لهنّ حقٌّ في الحماية، وصوتٌ في القرار.
ما يُهدَم أكثر ممّا يُحصى
في عملي الحقوقيّ، تعلّمتُ أن أُحصي المنازل المدمّرة، والعائلات النازحة، وكلفة إعادة الإعمار. هذه الأرقام ضروريّة، فمن دونها لا تُقدَّر حاجة ولا يُطالَب بحقّ. لكنّني تعلّمتُ أيضاً أنّ ما يُهدَم أكثر ممّا يُحصى. ففي عام 2022، دعا المقرّر الخاصّ للأمم المتّحدة المعنيّ بالحقّ في السكن اللائق إلى الاعتراف بـ
"قتل البيوت" جريمةً دوليّة، تُعدّ من جرائم الحرب أو الجرائم ضدّ الإنسانيّة. وأن تُستعار كلمة "القتل" للبيوت هو اعترافٌ بأنّ للبيت حياة، وبأنّ هدمه لا يُسقط جدراناً فحسب، بل يُنهي شكلاً من أشكال العيش.
لا يقتصر الأمر على ما يُهدَم، بل يمتدّ إلى ما يُعاش في ظلّ الخوف. والخوف في الجنوب لا يأتي دفعةً واحدة، بل يسكن التفاصيل: حقيبةٌ تبقى جاهزةً قرب الباب، وأذنٌ تُصغي إلى طنين "الإم كا" قبل النوم، وسؤالٌ يتكرّر كلّ مساء: "منضلّ ولّا منفلّ؟". ومع ذلك، يُقطَف الزيتون في موسمه، ويُرمَّم ما تصدّع من الجدران، وتُقام الأعراس، ويذهب الأولاد إلى مدارسهم.
حين أرى ذلك، لا أرغب في التصفيق بقدر ما أرغب في أن أفهم. فما يفعله أهلنا ليس بطولةً يختارونها، بل حياةٌ يتمسّكون بها لأنّها حياتهم. ويبقى السؤال الذي نتجنّبه: لماذا ينبغي لأحدٍ أن يدفع كلّ هذا الثمن كي يبقى في بيته؟
كفرشوبا… مسقط الرأس… مسقط القلب
عند هذا السؤال أعود إلى جاد. ففي تأمّلاته حضرت كفرشوبا، مسقط رأسه، وهي قريةٌ في العرقوب على سفوح جبل الشيخ. يعرف كثيرون اسمها من «تلال كفرشوبا» في نشرات الأخبار، وكثيرون يجهلون أن "مزارع شبعا" تتبع لها عقارياً، ولا يعرفون شيئاً عن بيوتها وحقولها ومن يعيش فيها. أعادت إليه صور القرية هذا الوجه الغائب، وقادته إلى معنى الانتماء، ثمّ إلى فهم تعلّق الآخرين بقراهم. فما يجعل صورة كفرشوبا تعني له شيئاً هو نفسه ما يجعل بيتاً في كفركلا أو بنت جبيل أو النبطية يعني لأهله كلّ شيء. هكذا يتّسع الانتماء، ويتّسع معه القلب.
لكنّني أعرف أنّ هذا الأرشيف ناقص، وسيبقى ناقصاً. فثمّة من لم تصل صورهم، ومن فقدوا كلّ شيء، ومن لم يعثروا بعد على الكلمات التي تحمل وجعهم.
بيوتٌ تخرج من الصور
ربّما يكون أوّل ما نورّثه لأبنائنا صورةً وحكايةً ومفتاحاً، ورابطاً لا ينقطع ما دام هناك من يحكي ومن يصغي. لكنّني لا أريد لجاد ولا لأولادنا أن يعرفوا الجنوب من ألبومٍ مغلق. أريدهم أن ينسجوا من الجنوب ذاكرةً تخصّهم، لا ذاكرةً يستعيرونها منّا.
وأريد، قبل كلّ شيء، أن يأتي يومٌ تخرج فيه البيوت من الصور لتعود إلى أماكنها. يومٌ عاديّ يُقطَف فيه الزيتون بلا خوف، ويُفتَح فيه الباب بالمفتاح نفسه، ويقول فيه أبناؤنا ببساطة: "رايحين عالضيعة".
عندها فقط، لن نورّثهم بيوتاً تنتظر أهلها، بل أمكنةً يعيشون فيها ويضيفون إليها، وألبوماتٍ فيها متّسعٌ لصورٍ لم تُلتقط بعد.