البحث

قطاع النقل يحتضر

 لم يعد الغلاء مجرّد تعبير عن واقع اقتصادي مرير يعيشه اللبنانيون، بل تحوّل إلى جزء من يومياتهم، في ظلّ ثبات الحد الأدنى للأجور مقابل ارتفاع متواصل في أسعار السلع والخدمات. فالبنزين، لم يعد مجرّد وقود يحرّك السيارات، بل أصبح عبئاً يثقل كاهل السائقين العموميين ويفرض كلفة إضافية على تفاصيل حياتهم اليومية. ويجد اللبنانيون أنفسهم اليوم أمام معادلة قاسية: ارتفاع حاد في الأسعار تغذّيه تقلّبات الأسواق العالمية والأعباء الضريبية المحلية من ناحية، وارتفاع كبير في غلاء المعيشة من ناحية أخرى.

 

سائق التاكسي: زيادة ساعات العمل لم تعد هي الحل

في جولة لـ "نفس" لاستطلاع أحوال السائقين الذين يجوبون الشوارع بحثاً عن ركّابٍ أثقل غلاء البنزين كاهلهم، يبدو المشهد سريالياً. وجوه متعبة خلف المقود، وأعين شاخصة نحو جدول تركيب الأسعار.

الياس ساسين، سائق تاكسي أمضى عمره في التنقل بين أحياء العاصمة، يتحدّث بنبرة يسكنها الانكسار: "كنا نصارع الغلاء بزيادة ساعات العمل، لكن اليوم لم نعد نقدر على المواجهة،  فغلاء البنزين جعل من كل رحلة مغامرة خاسرة. نحن ندفع ثمن فشل السلطة وفسادها، فصفيحة البنزين باتت تلتهم غلّة النهار، وما تبقى لا يكفي ثمن ربطة خبز لعائلاتنا التي تعيش تحت وطأة الفقر والعوز".

ويستطرد قائلًا: "الناس تلومنا على التسعيرة، ولكن كيف لنا أن نستمرّ وأسعار المحروقات تزداد كل أسبوع! لقد باتت السيارة عبئاً، والتجوّل في الشوارع بانتظار "الرزقة" صار مكلفاً، خاصة أن الراكب نفسه لم يعد يملك القدرة على دفع ثمن "السرفيس" بعد أن تآكلت قيمته الشرائية بفعل الانهيار".

 

غلاء البنزين يلتهم قطاع التوصيل

أمّا جيل الشباب العامل في قطاع "الدليفري"، فهو يمثل المأساة الحية في لبنان. أحمد مرتضى، الذي يتنقل بدرّاجته النارية بين الأحياء والازقة، يروي لـ "نفس" كيف تحوّل عمله إلى "انتحار مقنّع": "نحن نقود درّاجاتنا تحت خطر القصف والتوتر، ليس حباً بالمخاطرة، بل هرباً من الجوع. لكن الغلاء الفاحش الذي سببه توتر الممرّات الملاحية والضرائب المحلية المستحدثة جعلنا نعمل لصالح محطات الوقود فقط. فالتسعيرة التي يتقاضاها العامل لا تغطي كلفة البنزين الذي يحترق في زحمة السير أو بسبب الطرقات المقطوعة من جرّاء الأوضاع الأمنية".

ويضيف أحمد بمرارة: "عندما ترتفع التسعيرة عالمياً، سرعان ما ترتفع في لبنان، وعندما يتراجع سعر البرميل، تخترع لنا الدولة ضرائب جديدة. نحن اليوم في مواجهة مباشرة مع قدرنا".

إن ما يعيشه قطاع النقل اليوم في لبنان هو انعكاس لانهيار شامل، فالدولة التي استسهلت رفع الدعم وفرض الرسوم، تركت السائقين يواجهون قدرهم أمام تقلّبات بالأسعار لا يد لهم فيها. إن استمرار هذا النزيف، وتجاهل صرخات السائقين الذين باتوا يفضلون الصمت على الكلام، هو نذير بانهيار اجتماعي قد يفوق في خطورته تداعيات الانهيار المالي والاقتصادي الذي شهده لبنان.

 

الحد الادنى للأجور لم يعد صالحاً

وبلغ سعر صفيحة البنزين من عيار 95 أوكتان، وفق جدول الأسعار الصادر في 25 أيلول الماضي، مليونين و845 ألف ليرة، بزيادة 11 ألف ليرة عن الجدول السابق. إلا أن هذه الزيادة، وإن بدت محدودة، تأتي في سياق ارتفاع متواصل في كلفة المعيشة، إذ سجّل مؤشر أسعار الاستهلاك في آب ارتفاعاً بنسبة 16.66% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، فيما بلغ الارتفاع الشهري في محافظة الشمال 1.09%.

في لبنان، لم يعد الغلاء عنواناً عابراً لأزمة اقتصادية، بل تحوّل إلى جزء من الحياة اليومية لمواطنين يواجهون فجوة متسعة بين أجورهم والأسعار. فالحد الأدنى للأجور لم يواكب وتيرة ارتفاع كلفة المعيشة، فيما تواصل أسعار السلع والخدمات، وفي مقدّمها المحروقات، الضغط على مداخيل الأسر.

تكشف مقارنة بسيطة حجم هذا التراجع في القدرة الشرائية. فعندما كان الحد الأدنى للأجور 300 ألف ليرة، يُضاف إليه 50 ألف ليرة كبدل غلاء معيشة، كانت صفيحة البنزين تُباع بنحو 7 آلاف ليرة، ما كان يتيح نظرياً شراء نحو 50 صفيحة. أما اليوم، فإن شراء الكمية نفسها من البنزين يكلّف أكثر من 1500 دولار، في مؤشر واضح إلى اتساع الهوة بين الأجور وكلفة المعيشة.

ولا تتوقف تداعيات ارتفاع أسعار المحروقات عند كلفة التنقل، بل تمتد إلى مختلف القطاعات، باعتبار أن النقل يشكّل جزءاً أساسياً من كلفة الإنتاج والخدمات وأسعار السلع. من هنا، يبرز تصحيح بدل النقل كإجراء ملحّ، في ظل تآكل القدرة الشرائية للأجور وارتفاع كلفة الوصول إلى مكان العمل.

ويقدّر الباحث محمد شمس الدين، في حديث لـ "نفس"، أن الحد الأدنى للأجور "يجب أن يكون اليوم 1200 دولار لا 312 دولاراً، لتوفير الحاجات الأساسية ومواجهة الأعباء".

وتختصر هذه المعادلة جانباً من التدهور الذي أصاب القدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود في لبنان. فالمشكلة لا ترتبط فقط بتقلبات أسعار النفط عالمياً، بل أيضاً بالضرائب والرسوم المفروضة على المحروقات. هكذا، لم يعد ارتفاع سعر البنزين مجرد زيادة في فاتورة التنقل، بل مؤشراً مباشراً إلى أزمة أوسع: أجور لا تزال عاجزة عن اللحاق بكلفة المعيشة، فيما تتراكم الأعباء على اللبنانيين مع كل ارتفاع جديد في الأسعار.