لم تعد تداعيات الأزمة الاقتصادية في لبنان تقتصر على العجز عن تأمين الاحتياجات الأساسية أو تحمّل فواتير الكهرباء، بل امتدّت إلى جوانب أكثر خصوصية في حياة النساء، من القرارات الإنجابية والأمومة إلى الصحة الجنسية.
ومع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، باتت نساء كثيرات يواجهن صعوبة في الحصول على الفحوصات الطبية ووسائل منع الحمل، ما يدفع بعضهنّ إلى تأجيل الرعاية الصحية أو الاستغناء عنها، ويزيد من مخاطر تأخّر تشخيص الأمراض وتفاقم مضاعفاتها.
أمام هذا الواقع، تجد نساء أنفسهنّ أمام خيارات صعبة، تبدأ بتأجيل الإنجاب أو التخلي عنه بسبب الأعباء المالية، ولا تنتهي عند تحمّل كلفة وسائل منع الحمل أو اللجوء إلى الإجهاض غير الآمن. وهكذا، لم تعد القرارات المرتبطة بأجساد النساء وصحتهنّ تُتخذ انطلاقاً من رغباتهنّ واحتياجاتهنّ فحسب، بل باتت محكومة أيضاً بقدراتهنّ المادية، في ظلّ قيود قانونية واجتماعية تزيد من تعقيد الخيارات المتاحة أمامهنّ.
ورغم خطورة التبعات الصحية والاجتماعية المترتبة على هذا الواقع، تُظهر التقارير والدراسات الميدانية أن خدمات الصحة الجنسية والإنجابية لا تزال خارج حسابات وأولويات الدولة اللبنانية. وبين تشريعات تقيّد الخيارات، وواقع اقتصادي يجعل الرعاية الطبية ترفاً، تحولت الحقوق الإنسانية الأساسية للنساء إلى "امتيازات" حصرية لمن يمتلك القدرة المادية.
الأمومة... أحلام مؤجلة بقرار من "الظروف"
تختصر صفاء (32 عاماً) تحول نظرتها للأمومة وسط الانهيار الاقتصادي. بعد زواجها في عام 2024، لم يكن قرارها بتركيب "اللولب" لمنع الحمل نابعاً من عدم الرغبة، بل نتيجة حتمية لخوفها من عجزها عن تأمين تكاليف طفل يسكن في بلد مأزوم.
توضح حنان أن ارتفاع أسعار الأدوية، وتضاعف كلفة المعاينات الطبية، والقفزات الجنونية لسعر صرف الدولار أمام الليرة، جعلت التفكير في الإنجاب مغامرة غير محسوبة. فالأمر بالنسبة لها لا يتوقف عند غريزة الأمومة، بل يتعلق بالقدرة على إعالة كائن جديد.
رغم مشاركتها وزوجها في تحمل أعباء المنزل، إلا أن دخلهما يتآكل قبل منتصف الشهر. وتزداد الهواجس لدى صفاء بسبب وضعها الصحي الذي يستدعي متابعة طبية دقيقة وأدوية إضافية في حال الحمل.
حتى وسيلة منع الحمل لم تكن خياراً يسير المنال، إذ تقول: "بقيت 4 أشهر طويلة وأنا أقتطع من قوت يومي وأدخر القرش فوق القرش، حتى جمعت المبلغ الذي مكنني من الحصول على اللولب".
يُعتبر اللولب الرحمي وسيلة طويلة الأمد للوقاية من الحمل تمتد لنحو خمس سنوات، وتلجأ إليه كثير من النساء للهرب من التكلفة الشهرية المرتفعة للوسائل الأخرى. لكن قصة صفاء تتجاوز البعد المادي للوسيلة، لتعكس كيف بات الاقتصاد اللبناني يتحكم برحِم المرأة وقراراتها الإنجابية.
الرعاية الطبية: بين الحاجة الملحّة والكلفة الخانقة
تضطر نساء كثيرات في لبنان اليوم لتجاهل الفحوصات الدورية والرعاية الصحية بسب ارتفاع أسعار الأدوية وكشفية الأطباء. ويصبح هذا التخلي مضاعف الخطورة على النساء الحوامل اللواتي يحتجن لمتابعة دقيقة لحماية حياتهن وحياة أجنتهن.
وفقاً لدراسة أعدها صندوق الأمم المتحدة للسكان بالتعاون مع جامعة بيروت العربية في العام 2021، فإن أكثر من 80% من النساء في لبنان لا يمنحن الأولوية للوصول إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية بسبب ضيق الذات.
وفي حديثه لـ"نفس"، يكشف الطبيب النسائي عامر الحسيني، عن تراجع كبير في عدد الزيارات الروتينية للعيادات النسائية الخاصة، مشيراً إلى أن شريحة واسعة من النساء باتت تعتمد على مراكز الرعاية الصحية الأولية لتدني كلفة المعاينة فيها.
وتتراوح كلفة المعاينة الطبية والتصوير الصوتي في العيادات الخاصة بالمناطق النائية حول 20 دولاراً، بينما تقفز في المدن إلى ما بين 50 و65 دولاراً. وهو رقم يعجز الكثيرون عن تأمينه، ناهيك عن مصاريف الفحوصات المخبرية والأدوية، ما يدفع النساء لتأجيل الاستشارات أو إلغائها نهائياً، مع ما يحمله ذلك من مخاطر صحية داهمة.
غلاء موانع الحمل ورعب "الإجهاض غير الآمن"
لا تقف الأزمة عند الرعاية الطبية بل تطال أبسط مستلزمات ممارسة الجنس الآمن. ففي تقرير لمؤسسة "تريانغل" (أيلول/سبتمبر 2022)، وثقت المؤسسة ارتفاعاً كبيراً في أسعار الخدمات والمستلزمات المتعلقة بالصحة الجنسية. وأشار التقرير إلى أن أسعار موانع الحمل الفموية شهدت قفزة صاروخية بنسبة تجاوزت 750% منذ عام 2019.
ومع حلول عام 2023، وصلت أسعار بعض حبوب منع الحمل إلى أكثر من 3 ملايين ليرة لبنانية للعلبة الواحدة، فيما تجاوزت أسعار حبة منع الحمل الطارئة (Ella One) وفيتامينات الحمل المقويات المادية حواجز قياسية.
هذا الغلاء الفاحش أدى بالضرورة إلى ارتفـاع نسب الحمل غير المخطط له، لتبدأ مع رحلة البحث عن الإجهاض، وهي رحلة اصطدمت بحائط القوانين الصارمة والعوائق المالية. فالقانون اللبناني يحظر الإجهاض إلا في حالات استثنائية ضيقة جداً، ما يدفع النساء للجوء إلى عيادات سرية وطرق غير آمنة. وتقدر مؤسسة "تريانغل" كلفة عملية الإجهاض السرية بين 500 و700 دولار أميركي كحد أدنى.
صحة النساء مُهددة
في هذا السياق، تشير سارة بو زكي، مديرة مركز "مرسى" الطبي، في حديثها لـ"نَفَس"، إلى أن "الغلاء المعيشي والتضخم المتزايد انعكسا بشكل مباشر ومقلق على السلامة الجسدية للمرأة". وتوضح أن ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية دفع نساء كثيرات إلى الامتناع عن إجراء الفحوصات الدورية والمبكرة، محذّرةً من أن "إهمال هذه الفحوصات يؤخر اكتشاف الأمراض الخطيرة، ما يقلّل فرص الشفاء ويضع حياة النساء على المحك".
وتبرز هذه المشكلة بوضوح مع الارتفاع الكبير في أسعار الفحوصات الطبية، إذ باتت كلفة مسحة عنق الرحم (Pap smear)، المستخدمة للكشف عن التغيرات المبكرة في خلايا عنق الرحم، تقارب 500 ألف ليرة لبنانية، فيما وصلت كلفة التصوير الشعاعي للثدي (الماموغرافي)، المستخدم في الكشف المبكر عن سرطان الثدي، إلى نحو 50 دولارًا أميركيًا. ومع تراجع القدرة على تحمّل هذه النفقات، تصبح الوقاية والكشف المبكر أقلّ إتاحة أمام النساء، ما يزيد من مخاطر تأخر التشخيص وتفاقم الحالات المرضية.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الفحوصات الطبية، بل تمتد إلى وسائل الوقاية وتنظيم الأسرة. فارتفاع أسعار الواقي الذكري قد يحدّ من استخدامه، ويزيد من مخاطر انتشار الأمراض المنقولة جنسيًا، فيما يفاقم انقطاع حبوب منع الحمل وارتفاع أسعارها، إلى جانب وصول كلفة تركيب اللولب إلى نحو ستة ملايين ليرة لبنانية، صعوبة تنظيم الحمل وتجنّب الحمل غير المخطط له.
وتحذّر بو زكي من أن هذه الظروف، إلى جانب شحّ الأدوية، ولا سيما أدوية تثبيت الحمل، تزيد من المخاطر التي تواجه النساء، وقد تدفع بعضهنّ إلى خيارات غير آمنة، من بينها الإجهاض غير الآمن. وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية في ظل القيود القانونية المفروضة على الإجهاض في لبنان، حيث لا يُسمح به إلا في حالات محددة تتعلق بتهديد حياة المرأة الحامل، ما يضيّق الخيارات المتاحة أمام النساء اللواتي لا يستطعن متابعة حملهنّ أو لا يرغبن في استمراره.
وفي مواجهة هذه التحديات، تتجه نساء أكثر إلى مراكز الرعاية الصحية الأولية، التي وسّعت نطاق خدماتها منذ بداية الأزمة الاقتصادية بهدف تخفيف الأعباء المالية وتأمين الرعاية الأساسية. وترى بو زكي أن هذه المراكز تؤدي دورًا مهمًا في سدّ جزء من الفجوة في الوصول إلى الخدمات الصحية، لكنها لا تستطيع تلبية جميع احتياجات النساء، ولا تشكّل بديلًا كاملًا عن منظومة رعاية صحية متكاملة قادرة على توفير الفحوصات والعلاجات والمتابعة اللازمة.